المقررات الواسعة الانتشار المتاحة عبر الانترنت وثقافة البوفيه المفتوح

عند الذهاب إلى حفلات الزفاف أو إلى المطاعم التي تتبع نظام البوفيه المفتوح، يواجه الكثيرون منا صعوبة كبيرة في اختيار أصناف الطعام التي نودّ تناولها. فغالبا ما نجد أنفسنا واقفين أمام البوفيه في حيرة من شأننا، نشتهي كل ما تقع عليه أعيننا من طعام. وأمام كثرة الخيارات والأصناف المتاحة نجد أنفسنا في نهاية المطاف محمّلين بالعديد من الأصناف التي تتكدّس بها المائدة الجالسين إليها. وبعد عملية الاختيار المخفق والتكديس العديم الجدوى هذه، ننتهي إلى تناول القليل من هذه الأصناف فقط فيما يلقى الباقي حتفه إلى سلّة النفايات. وإذا ما نظرنا إلى الأسباب الكامنة وراء هذا السلوك المتكرر لوجدنا أنّ الحقيقة هي أننا، في أغلبيتنا، لا نملك ثقافة البوفيه المفتوح والقدرة على تحديد المقدار الذي يحتاجه جسدنا من الغذاء والتّحكم بشهواتنا الهوجاء.

وغالبا ما يجد "الطالب الالكتروني"، إذا صحّ التعبير، أو طالب العلم عبر الانترنت، نفسه أمام تجربة مماثلة. فوفق تسلسل الأحداث نفسه، تتمّ عمليّة التحاق المتعلّم بالمقررات الواسعة الانتشار على الانترنت (والمعروفة عالميا بالـ MOOCs). في البداية، يلج المتعلّم إلى هذه المنصات التعليمية، فيجد نفسه امام مائدة كبيرة من المقررات المختصّة في شتى العلوم، مائدة تشبه إلى حدّ كبير مائدة البوفيه المفتوح التي تطرّقنا إليها مسبقا. يشتهي المتعلّم الالتحاق بكل ما يصادفه من مقررات، ويستسلم سريعا لهذه الرغبة العارمة، فيتكدس حسابه تدريجيا بمساقات متنوّعة وغير متجانسة من حيث المغزى والمحتوى. وإذا ما نظرنا عن قرب، لوجدنا أن حسابه الشخصي يحفل بالمقررات المسجّلة والتي لم يكمل دراستها وبالتالي لم يستفد من محتواها العلمي في  سبيل تطوير نفسه أو مهاراته. وقد بدت لي هذه الظاهرة بوضوح عندما قمت بتدريس عدد من المقررات الالكترونية عبر منصات عربية متداولة. إذ وجدت أنّ عددا كبيرا من الطلّاب المسجلين في هذه المقررات لم يكملوا دراسة المقرر، ولم تتعدى نسبة أولئك الذين التزموا بالمنهاج الـ 1% من إجمالي عدد المسجلين أحيانا. وقد دفعتني تجربتي هذه إلى القيام ببعض الأبحاث وكتابة بعض الدراسات المتعلّقة بهذه الظاهرة. ووجدت أنّ السبب الرئيسي الكامن وراء هذا السلوك هو عدم توافر ثقافة البوفيه المفتوح لدى المتعلّمين. حيث ان الطالب، كما رائد المطعم أو ضيف الزفاف، لا يفقه فنّ اختيار المساقات التي ستعود عليه بالفائدة والتي ستمكنه من تطوير مهاراته. وهو في سلوكه هذا مثل من يختار أصنافا كثيرة من الطعام المتوفر على مائدة البوفيه، ثمّ لا يتناول إلا القليل جداً منه.

في المقال التالي، سأحاول جاهداً تقديم بعض النصائح التي استخلصتها من خبراتي ونتائج بعض أبحاثي في هذا المجال، وذلك في سبيل مساعدة "الطالب الالكتروني" على تنمية ثقافة البوفيه المفتوح وشحذ مهاراته في اختيار المساقات المتاحة عبر المنصات التعليمية المجانية وتحقيق الفائدة القصوى منها في تطوير معارفه ومهاراته الشخصية والمهنية.

النصيحة الأولى: حدد هدفك
إبدأ دائما بسؤال نفسك: "ما هدفي من دراسة هذا المساق أو ذاك؟" فإذا كنت صريحا في إجابتك، كان ذلك أول طريق النجاح في الاستفادة من البوفيه المفتوح للمقررات الالكترونية. وتتدرّج أكثر الأهداف التي سمعتها خلال تدريسي من "الحصول على شهادة" إلى "لا أدري" مرورا بـ "للتسلية وقتل وقت الفراغ"، و"زيادة المعرفة" و"تنمية قدراتي ومهاراتي". فاذا كان هدفك مجرد التسلية أو الحصول على شهادة فالأكيد أنّك لن تستفيد من البوفيه المفتوح لأنّ في الهدف الأوّل مضيعة لوقتك ولأنّ المنصات الالكترونية لا تقدّم شهادات معترف بها، على الأقل ليس بعد.  والحقيقة أنّك إذا أردت أن تتذوق حلاوة المعرفة وتحقق الاستفادة من المساقات الالكترونية المجانية، لا بدّ أن يختصر هدفك على تطوير الذات وزيادة المعارف والمهارات والخبرات الشخصية.

النصيحة الثانية: ارسم خطة لمقرراتك
سوف يتساءل الكثيرون: "وكيف تكون هذه الخطة!؟" ببساطة عليك أن تقوم بتقسيم المقررات طبقا لاحتياجاتك كمتعلم. وتتركز احتياجات الطلبة عامّة في ثلاث محاور أساسية هي: التخصص والمهارات والثقافة العامّة. ويمكن إدراج المقررات المختلفة ضمن هذه المحاور الثلاث نظرا للغاية التي ينشدها منها المتعلّم. بالتالي يصبح من الممكن التعرّف على ثلاث فئات كبيرة من المقررات المتاحة كما يلي:

أولا-المقررات التخصصية: وهي المقررات التي تندرج ضمن مجال تخصصك والتي يمكن أن تنفعك أكاديميا أو عمليّا، أي أنّها غالبا ما يكون لها أثر مباشر في مساعدتك على تطوير ذاتك في مجال عملك أو مجال دراستك. تسمح هذه المقررات للطالب بزيادة الحصيلة المعرفية والاطلاع على هو جديد في مجال تخصصه.

ثانيا-المقررات المهاريّة والتطبيقية: اجتمع خبراء التعليم على أنّ أحد أكبر هفوات النظام التعليمي التقليدي في العالم العربي تكمن في التشديد المبالغ به على التأسيس العلمي النظري وغياب الجانب التطبيقي الذي يؤهل الشباب لسوق العمل، وذلك على اختلاف مجالات الدراسة والتخصصات. وقد استدرك مؤسسو المنصات التعليمية المفتوحة والأساتذة المحاضرون على الانترنت هذا الواقع، ممّا دفعهم إلى محاولة ردم هذه الفجوة عبر المسارات والمقررات الالكترونية المجانية.  لذلك بتنا نجد أنفسنا أمام بوفيه مفتوح من المقررات التي تهدف إلى تنمية المهارات المختلفة. وتنقسم هذه المقررات بحسب المهارات التي تطوّرها إلى نوعين اثنين: أوّلا، المقررات المهارية التطبيقية، والتي تساعد الطالب على تنمية مهارات ذات صلة مباشرة بمجال تخصصه والتي تحتوي بعض الأنشطة التطبيقية للعلوم النظرية التي يكتسبها في نظام التعليم التقليدي والتي تساعده على تحسين فهمه للمادّة واكتساب بعض المؤهلات لسوق العمل، وثانيا، المقررات المهارية الحياتية، والتي تفتح المجال للمتعلّم لاكتساب مهارات جديدة تفيده في حياته اليومية كما في مجال عمله على اختلاف تخصصه كمهارات القيادة والتواصل وريادة الأعمال مثلا على سبيل الذكر لا الحصر.  

ثالثا-مقررات الثقافة العامة: يقضي الكثيرون منا ساعات طويلة أمام قنوات علمية مثل الـ "ناشيونال جيوغرافيك" والـ "ديسكافوري" وغيرها من القنوات التي تتيح للمشاهد تنمية ثقافته العامة بشكل شيق. كذلك تجد بالمنصات التعليمية بوفيه مفتوح من المقررات الممتعه التي لا ترتبط بتخصص معين إنما تهدف ببساطة إلى تنميه معرفة الفرد وتوسيع دائرة ثقافته العامة التي تساعده في اكتساب معلومات عامة ورؤية الحياة بشكل مختلف.

النصيحة الثالثة: تخصيص وقت للدراسة
اجعل لك وقت محددا لدراسة المقرر الذي التحقت به، ويمكن أن يتراوح هذا الوقت بين ساعة واحدة يوميا أو اسبوعيا على أن تكون مقدسة لك. وتعتبر هذه الاستراتيجية مفصليّة لتتمكن من متابعة المقرر وما يقدمّه الأستاذ المحاضر دون التأخر في الدراسة والوقوع في خطأ مراكمة المحاضرات والواجبات. فإذا فشل المتعلّم في تنظيم وقته ومتابعة وتيرة المحاضر، غالبا ما ينتهي إلى عدم اكمال المساق وذلك بغض النظر عن مستوى حماسه في البداية.

النصيحة الرابعة: قيّم نفسك مع نهاية كل مقرر
ويتناول التقييم بعض الأسئلة التي لا بدّ أن تكون صريحا في الإجابة عنها مثل: "هل استفدت من المقرر؟"، "هل ساهم المقرر في تطوير معارفي ومهاراتي؟"، "هل درست المقرر جيداً أم كنت مقصرا في أدائي؟" وغيرها من الأسئلة المفصلية التي ستسمح لك باستنتاج ما إذا كان تسجيلك في المقرر مفيدا أم عبثا ومضيعة لوقتك.

في النهاية، أتمنى لك قارئي العزيز أن تستفيد من هذه النصائح الأربع لتقوم بتنمية ثقافة البوفيه المفتوح لديك ولتحقق بالتالي الاستفادة القصوى من مائدة المقررات الواسعة الانتشار المتاحة عبر الانترنت (MOOCs). إذ تشكّل هذه الأخيرة وسAيلة فعالة لتنمية المهارات والقدرات الفردية والمعارف شرط أن يتمّ استخدامها بفعالية ونباهة. كما يمكن لهذه المنصات أن تكون سبيلك نحو التميّز والاختلاف في سوق العمل غداً إذا ما اخترت مساقاتك بطريقة استراتيجية متكاملة... شلتوتيات فلسفية...
Themes
MOOCs & Future of Degrees, Higher Education, Life Skills

Join the Discussion

0 comments
X