التعليم في خدمة التنمية

     تؤكد معظم الأدبيات في مجال التنمية أن التعليم هو مكون رئيس في حركة التنمية وأن نجاحها في أي مجتمع هو رهين بنجاح نظامه التعليمي. فالتعليم يشكل أول ركن في مثلث التنمية إضافة إلى الصحة والاقتصاد.  

في الماضي القريب غالبا ما كانت تستعمل مؤشرات الدخل وزيادته كدليل على مستوى التنمية في مجتمع أو بلد ما، إلا أنه قد تعددت الآراء حول تعريف التنمية وبالتالي قد تعدد أيضا المؤشرات الدالة عليها. عرفت هيئة الأمم المتحدة التنمية على أنها "مجموع العمليات التي بموجبها توجه جهود كل من الشعوب والحكومات لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمجتمعاتها وذلك لمساعدتها على الاندماج في حياة الأمم والمساهمة في تقدمها بأفضل شكل ممكن". لعل هذا التعريف يلخص بشكل موجز المفاهيم والآراء المتعددة حول قضية التنمية. اذ معظم التعريفات تعتبر التنمية عملية شاملة ومستمرة تقصد نقل وتغيير المجتمعات الى وضع أفضل مما هي عليه مع الاستفادة من عناصر التغيير، كما تهدف الى تنمية الموارد الطبيعية والبشرية للمجتمعات.

ولقد أصبح من المؤكد الآن أن نمو المجتمعات لا يعتمد فقط على ما لديها من موارد طبيعية أو مادية بل يعتمد على مواردها البشرية بشكل أساس. لقد أولى كبار المفكرين في مجالي الاقتصاد والاجتماع أهمية قصوى للعنصر البشري خصوصا العنصر المتعلم اذ جعلوه عاملا مفعلا لحركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن تم تتجلى العلاقة الوطيدة والمتراكبة بين التعليم والتنمية في شتى مظاهرها. فأصبح بذلك مؤشر مستوى التنمية البشرية من أهم مؤشرات التنمية للبلدان إن لم يكن أهمها على الاطلاق. فلا جدوى من باقي الموارد (الموارد المادية، البنى التحتية، التكنلوجيا...) ما لم يتوفر العنصر الإنمائي الأول وهو الانسان القادر على الاستفادة منها.
لهذا وجب الاهتمام بشكل كبير بقضية التربية والتعليم من أجل تحقيق أهداف الشعوب في تنمية حضارية شاملة ومستدامة، فالمجتمعات التي تحسن تربية أبنائها توفر بذلك لنفسها الموارد البشرية القادرة على تفعيل وإدارة عناصر التنمية، كما تساهم في وضع أسس لمجتمعات قوية سليمة يعمها الاستقرار السياسي والاقتصادي وكذا الأمن الاجتماعي.

إلتزمت معظم الحكومات بضمان الحق في التعليم من خلال الإعتماد و المصادقة على الاتفاقيات الدولية التي تعترف بهذا القانون كعالمي مثل: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 26، 1948)، و اتفاقية اليونسكو لمكافحة التمييز في مجال التعليم (1960)، و العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية الثقافية (1966)، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (1979)، وكذا اتفاقية حقوق الطفل (1989). تشترط هذه الصكوك، في الواقع، أن الحق في التعليم يشمل مسؤولية الدول لتوفير مجانية التعليم الابتدائي وتوسيعها تدريجيا للتعليم الثانوي وما بعده.

وتؤكد الدراسات أن كل سنة دراسية إضافية تساهم بزيادة في الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 0.37%. وإذا كان بمقدور كل أطفال الدول المحدودة الدخل القراءة والكتابة لتراجعت نسبة الفقر بمقدار 12%. تقدر الإعانات التي تتلقاها برامج التعليم الابتدائي ب 3 مليار دولار سنويا إلا أن هذا الرقم بعيد جدا عن آخر التقديرات التي أوردها التقرير العالمي لمتابعة "التعليم للجميع" الذي نص على أنه لتعليم كل الأطفال غير الممدرسين في العالم إلى حدود السنة الفارطة يحتاج 29 مليار دولار سنويا.
وفي إطار اﻟﻨﻬﻮض ﺑﺘﺤﺴﻴﻦ ﺟﻮدة اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﻣﻦ أﺟﻞ اﻟﺘﻨﻤﻴﺔ، تتلقى معظم البلدان العربية الدعم والتشجيع من المنظمات العالمية في سبيل تطوير مناهجها التعليمية بما يُحقق تعليمًا فاعلا من أجل التنمية. تحدثنا مع ممثلة اليونيسف في تونس، السيدة ليلى بيترز، عن دور المنظمة في دعم التعليم من خلال شراكتها مع الحكومة التونسية، فأكدت لنا عن تقديمهم المساعدة التقنية إلى وزارة التربية والتعليم لتطوير وتنفيذ إصلاحاتها، وذلك من خلال:

مراقبة النشاط التعليمي
- تقييم شامل لنشاط التدريس والتعلم في جميع مكوناته: المحتوى - طرق التدريس - تقييم تعلم الطلاب
- معرفة ما إذا كانت البرامج المقترحة مثيرة لاهتمام التلاميذ
- توفير الدعم الضروري أثناء مراحل جمع وتقديم البيانات حول الوضع التعليمي للأطفال
- المساعدة على تطوير أنظمة أكثر موثوقية لإدارة المعلومات في التعليم، وتبادل أفضل الممارسات والابتكارات التي تتعلق بتطوير السياسات

تعزيز وضع كل من أصحاب المصلحة والتعليم
- القيام بحملات تعبئة تطلق اليونيسيف خلالها حملات إعلامية عالمية ومحلية حول أهمية التعليم
- تعبئة المجتمع المدني وأولياء الأمور
-توعية الآباء والأمهات وإقناع الأطفال بالعودة إلى المدرسة
-دعم التلاميذ الذين يلاقون صعوبات في مسارهم التعليمي: توفير دروس خصوصية ودروس التقوية، ومساعدة الأطفال المعسرين قرائيا وذوي الاحتياجات الخاصة
- تشجيع التلاميذ على تكوين فكرة أفضل حول المهن المحتملة التي يرغبون احترافها في المستقبل: دعوة المهنيين من مختلف التخصصات لتقديم نبذة عن المهارات و متطلبات العمل، وكذا المهام اليومية...
-  جعل التعليم تجربة أكثر متعة عبر التدريس بوسائل مبتكرة و استخدام التكنولوجيا الحديثة

تدريب المعلمين
- توعية المعلمين على التغيرات التي يمر بها التلاميذ خلال فترة المراهقة
- تزويد المعلمين بأفضل المعدات
- تدريب المعلمين على طرق ومنهجيات التلقين الأكثر فعالية

حققت الجهود المبذولة في مجال التعليم في تونس تقدما ملحوظا كما ونوعا. العامل الذي ميز النظام التعليمي التونسي في السنوات الأخيرة هو ديناميكيات الإصلاح التي طالت كل مكوناتها مما يجعله مثالا يحتذى به على الرغم من التحديات التي لا يزال يواجهها والفجوة الحالية بين الأهداف المتوخاة من الإصلاحات وما حقق فعليا على أرض الواقع.

لقد أضافت السيدة ليلى بيتز قائلة "إصلاح التعليم في تونس سينجح بالتأكيد وخصوصا أنه يتلقى الدعم من قبل المواطنين الذين يطالبون به و ينتظرونه بفارغ الصبر … أما بالنسبة للتحدي الأساسي الذي يواجه التعليم فهو التركيز على الجودة والتي تعد جوهره. فهي تؤثر على ما يتعلمه الطلاب، وطريقة اكتسابهم للمعرفة وما الفوائد التي يستخلصونها من التعليم".

یُعترف بالتعليم بشكل متزاید بوصفه واحداً من أفضل الاستثمارات المالية التي یمكن للدول أن تستثمرها. يعود التعليم بالفائدة للمجتمع كله: حيث يساهم في النمو الاجتماعي والثقافي والديمقراطي والاقتصادي. فهو يتيح الفرصة للأفراد في المشاركة بشكل ملموس في المجتمع و
اتخاذ قرارات متوازنة وحل النزاعات بمسؤولية، والتفكير الناقد. كما يزودهم بالمواهب الإبداعية، والقدرات والأدوات اللازمة لتحقيق ما يختارونه في الحياة و للصمود أمام الأزمات. وهو عنصر أساسي لتحقيق السلام الدائم والتنمية المستدامة وتعزيز الرفاهية الفردية والجماعية.

عدم الاعتراف بهذا الحق هو انتهاك في الصرح الهش للسلام. حرمان الأطفال والشباب من حقوقهم الإنسانية الأساسية هو الإلقاء بهم في صفوف العاطلين عن العمل، المحبطين، غير المؤهلين. انه مساهمة في إنتشار آفة البطالة والاستبعاد والتهميش وعدم  المساواة و انعدام الأمن، عوامل تؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي و اعمال العنف. أما الإقرار بهذا الحق، فهو الاستماع لصوت الشباب الذين يسعون ببساطة للمزيد من الكرامة ويحلمون بفرصة العيش في عالم أفضل وأقوى وأكثر استقرارا وعدلا.
Themes
Aid and Development, Sustainable Development, Knowledge Economy and Societies, Social Innovation & Entrepreneurship

Join the Discussion

1 comments
souad's picture
souad
وماذا عن التعليم بالجزائر لأني استاذة لغة عربية هنا بالجزائر واتمنى ان يخطو التعليم عندنا خطوات الى الامام ويخرج من هذه الضبابية
reply - Dec 17, 2016
X