تعليم اللغة العربية للعرب: التحديات والتوترات وسبل التطوير

يمثل تعليم اللغة العربية تحديًا كبيرًا، ويزيد من وطأته مجموعة من الحوارات السياسية والثقافية التي تدور رحاها في عدة دول عربية. وتعتبر الممارسات التقليدية للتعليم والتعلم والتقييم راسخة الجذور، ما يجعل التغيير صعب التطبيق. ولطالما واجهت جهود إصلاح طرق تعليم اللغات، لا سيما في الثقافات المحافظة مثل تلك السائدة في العالم العربي، حملات معارضة يتصدرها في الأغلب من يظنون أن التغيير سيؤدي إلى تدهور مستوى اللغة.
 

وإن تمكنا من الاتفاق على "السبب" الذي يدعونا إلى تعليم اللغة العربية للطلاب غير المتخصصين، يمكننا عندئذ أن نقرر "ماذا" نعلِّم و"كيف" نعلِّم. وبينما يبدو السؤال عن "السبب" منطقيًا وبسيط التناول، فإنه في واقع الأمر خلافي للغاية بين اختصاصيي اللغة العربية. ويبسط من يعلِّمون اللغة العربية للمتخصصين في اللغة سيطرتهم على تعليم اللغة العربية لجميع الطلاب  و بكل المراحل التعليمية، ومن ضمنهم من لم يتخصصوا في اللغة العربية في المستوى الجامعي. وهكذا تدرَّس اللغة العربية مع التركيز على النحو والأدب (من مختلف الحقب بما في ذلك اللغة العربية التراثية) والبلاغة. وهذا النهج الذي يستهدف المختصين في اللغة والأدب لا يلبي حاجات الطلاب في المجالات الأخرى أو الطلاب بشكل عام الذين يلزمهم تعلم اللغة العربية من أجل التواصل الشفهي والتحريري. بل إن اعتماد صيغة "نهج واحد يناسب الجميع" يتجاهل الأهداف الفريدة المحيطة "بالأسباب" التي تدعونا لتعليم اللغة العربية.
 

ترسخت الطرق المستخدمة لتعليم اللغة العربية على امتداد الزمان، ما يصعب مهمة استيعاب البعض لأي إصلاحات كبرى في المنهج المستخدم أو طرائق التدريس؛ وذلك لأن تعليم اللغة العربية كان يعني دائمًا تعليم النحو والبلاغة والشعر. ومن ثمّ فإن دعوة معلمي الفصول للتركيز عوضًا عن ذلك على النصوص المعاصرة من أجل تدريس مهارات الكتابة والتفكير الناقد يمكن أن يمثل مطلبًا صعبًا يستثير مقاومتهم. ومن الطبيعي والمتوقع أن تبرز مقاومة أعضاء هيئة التدريس لدى استحداث أي نهج جديد في التدريس. وطبقًا لما كتبه ريس (2013)، فإن استحداث إصلاحات تتعلق باستخدام اللغة يُواجه في أغلب الأحيان بردود أفعال شائعة تتراوح بين بواعث القلق الجمالية والعاطفية والتاريخية، علاوة على مخاوف التطبيق. ولدى تناول الطرق الراسخة لتعليم اللغة بالبحث والدرس وإعادة النظر، ينتاب بعض المعلمين إحساس بأن هويتهم نفسها باتت مهددة. ومن بواعث القلق الأخرى التي كثيرًا ما تثار الافتراض القائل بأن أي تحرك نحو التبسيط المتصور في أذهانهم سيؤدي إلى إفقار اللغة والعمل الكتابي.
 

يتطلب الإصلاح الفعال في رأيي تجديدًا شاملاً للمناهج، عوضًا عن اتباع نهج التعديلات البسيطة مثل القيام بتغيير  في الواجبات و التكليفات أو استبدال نصوص أو إضافة نشاط صفّي إلى المنهجبل يعني الإصلاح الحقيقي إعادة هيكلة وتصميم المنهج طبقًا لأولويات التعليم حاليًا ومستقبلاً. وإذا أردنا تحقيق أهداف الوصول بالطلاب إلى إتقان التواصل الشفهي والكتابي باللغة العربية، ينبغي وضع منهج جديد يراعي الحقائق والحاجات التالية: أولاً، تواضع مستوى مهارات اللغة العربية لدى الطلاب على اختلاف  مراحلهم التعليمية؛ وثانيًا، المحتوى الذي عفا عليه الزمن والإصرار على اتباع الطرق التقليدية للتعليم والتعلم في التعليم الجامعي بالعالم العربي، خاصة في مجال  الإنسانيات؛ وثالثًا، الحاجة إلى تطوير طرق تعليم اللغة العربية لكي تواكب التقدم المحرز في مجال التعليم وطرق التدريس المستخدمة بفعالية في تعليم اللغات الأخرى؛ ورابعًا، الإقرار بأن اللغة العربية تتغير، حالها في ذلك حال جميع اللغات الأخرى (فاللغة المستخدمة اليوم تختلف عن صورها التراثية)، ما يساعد المعلمين في التكيف مع تغيير المناهج؛ وخامسًا، تحديد "لماذا" نفرض دراسة اللغة العربية باعتبارها مادة إلزامية على جميع الصفوف بما في ذلك التعليم العالي، و"ماذا" ندٍّرس لتحقيق هذا الغرض، و"كيف" ندِّرس أو بمعنى آخر الطرق المستخدمة لتقديم المحتوى بفعالية وضمان خدمة الغرض الذي نسعى لتحقيقه (الأسباب)؛ وسادسًا، عند تصميم المقررات الدراسية وتنفيذها، ومن ضمنها اللغة العربية، يجب وضع منهج محدث يراعي حاجات الطلاب وتطلعاتهم في القرن الحادي والعشرين.
 

ويهدف المنهج الجديد إلى ضمان تنمية مهارات التواصل الوظيفية المطلوبة  مهنياً و أكاديمياً ، إلى جانب ما استقر العمل به كأفضل الممارسات أو متطلبات أصحاب العمل. وبناء على ذلك، ينبغي أن تعتمد مراجعة المناهج على التحول من تعليم اللغة العربية باعتبارها قائمة على المعرفة إلى تعليمها باعتبارها مهارة. وسعيًا لتحقيق ذلك، ينبغي الاعتماد على ثلاثة مبادئ: أولاً، النمذجة، وثانيًا، تطبيق  المنهج الحلزوني (الدوامة) ، وثالثًا، استخدام محتوى مناسب ذي صلة. وفيما يلي الوصف التفصيلي لهذه المبادئ.
 

النمذجة. أسلوب قائم على الدراسات و الأبحاث في مجال اللغة يدرس فيه الطلاب نصوصًا يمكنهم محاكاتها والتعلم منها. ويثير تطبيق النمذجة في تعليم اللغة العربية جدلاً واسعًا؛ لأنها تعني ضمنًا ضرورة استخدام "اللغة العربية الفصحى الحديثة" التي تستخدم اليوم في الكتابات المهنية والأكاديمية، عوضًا عن لغة الأدب. وأثار كذلك استخدام اللغة العربية الفصحى الحديثة في النمذجة قضايا تمس الهوية والدين، حيث يميل تعليم اللغة إلى التركيز على تعليم المعارف والمعلومات باستخدام لغة الأدب و اللغة التراثية بدلاً من اللغة العربية الفصحى الحديثة المستخدمة حاليًا في الإعلام والصحافة، والأهم من ذلك استخدام لغة الأدب بدلاً من اللغة المستخدمة في الكتابة والمحادثة في جميع أنماط التواصل. ويميل هؤلاء التراثيون أو الاختصاصيون إلى التركيز على النحو والمفردات المستخدمة في الأدب والبلاغة، كما يركز هذا النهج القائم على المعرفة المتبع حاليًا على "ما يقوله المؤلف أو النص". وعلى النقيض من ذلك، تُبرز النمذجة الحاجة لتوجيه اهتمام مماثل إلى "الطريقة التي ساق بها المؤلف ما قاله"، أو "كيف كتب النص: بدلاً من "ماذا كتب". ويشير ذلك إلى تعليم الطلاب بنية النص، وهو ملمح لا يحظى بالاهتمام الكافي في الممارسة الحالية.

وقد أثارت "نمذجة" اللغة جدالاً أعمق بين مدرستين حول الغرض من تعليم اللغة العربية؛ فالمدرسة الأولى  تنظر إلى اللغة العربية بوصفها إحدى مهارات التواصل الضرورية لتحقيق النجاح الأكاديمي والمهني، أما  المدرسة الآخرى  فتنظر إلى تعليم اللغة العربية باعتباره وسيلة للحفاظ على الهوية الثقافية ولغة القرآن. ويعكس هذان المنظوران الخلافات الدائرة بشأن ما يتم تدريسه عند تعليم اللغة العربية وسبل القيام بذلك. وهكذا فإن النمذجة لدى  أصحاب المدرسة الثانية لا تعد نهجًا يفضلون اتباعه؛ فهم يرغبون في تعليم اللغة العربية التراثية لكي يحتك الطلاب بها ويتعلمونها، بل وربما يحفظونها عن ظهر قلب. ولكن من منظور عملي فإن هذه اللغة العربية التراثية لن تستخدم في الكتابة الأكاديمية أو المهنية، ولن تستخدم في التواصل اليومي.
 

المنهج الحلزوني (الدوامة). يتعلم الطلاب من خلال هذا النهج مهارات الكتابة عبر التركيز على الكتابة باعتبارها "عملية" وليست مجرد "منتج". ويقوم هذا الأسلوب على فكرة مفادها أن مهارات الكتابة تنمو وتتطور مع تقدم الكاتب عبر ثلاث مراحل: مرحلة التخطيط وما قبل الكتابة التي يقوم فيها الكاتب بمناقشة الأفكار والسياق والموضوع وتطويرها؛ ومرحلة الكتابة التي ينتج فيها الطالب مسودات ويتلقى تعليقات ونصائح من المعلم؛ وأخيرًا مرحلة إعادة الكتابة، حيث يقوم الطالب بالتصحيح وإدخال تعديلات بناء على المناقشة التي خاضها مع المعلم والتعليقات والملاحظات التي تلقاها منه.
 

المحتوى المناسب. ينبغي أن يكون المحتوى مناسبًا للسياق العالمي والبيئة التي يقطنها الطلاب، وذلك بتقديم الدعم لهم في سبيلهم نحو معرفة المزيد عن أنفسهم وعن العالم المعاصر. وينبغي أن يتناول المحتوى اهتمامات الطلاب بدلاً من تناوله لاهتمامات أعضاء هيئة التدريس. فقد أظهرت الدراسات أنه عندما تكون الموضوعات والأنشطة المتضمنة في أحد المقررات الدراسية متصلة مباشرة بحياة الطلاب وواقعهم، فإنهم ينخرطون في التعلم بشكل أكبر وينغمسون بشكل أعمق وتزداد احتمالات احتفاظهم بما تعلموه في أذهانهم وتقديرهم لبيئة التعلم التي أسهموا في إنشائها.

ولكن هذا النهج، الذي يقضي باستخدام نصوص تناسب حياة الطلاب وتتصل بها، وربما يكون من ضمنها قضايا محلية وعالمية راهنة، قد يثير الجدل والمقاومة لدى من ينتمون  للمدرسة الثانية  التي سبق وصفها. ويرى  أصحاب هذه المدرسة أن الهدف الأساسي لتعليم اللغة العربية يتمثل في حفظ الهوية والتعاليم الدينية الراسخة، إذ يجلّ هؤلاء المعلمون الأدب الكلاسيكي الذي أفرزته العصور السابقة، ويشددون على دور تعليم اللغة في الحفاظ على لغة القرآنكما يرون أن هذه النصوص الموروثة تحمل بين ثناياها حصرًا كافة المواد التدريسية المناسبة لتعليم اللغة العربية مهما كانت الطرائق المستخدمة في ذلك.


ويهدف المنهج المعاصر إلى استكشاف مجموعة من الاستراتيجيات والأساليب التي تؤدي إلى تغيير أدوار الطلاب والمعلمين في قاعات الدراسة، بحيث يتم انتهاج مقاربة تتمركز حول الطلاب من أجل تلبية الحاجات الفريدة لكل طالب بصورة أفضل. وسعيًا لتحقيق هذا الهدف، ينبغي دمج التكنولوجيا و التعلم التعاوني والتعلم الذاتي في المنهج الجديد، علاوة على إدراج أنشطة معينة داخل قاعات الدراسة وخارجها.


وختامًا، أود التأكيد على أن إحجام هيئات التدريس في كل مكان عن إدخال عناصر جديدة إلى المناهج القائمة ومقاومتها لهذه التوجهات المستحدثة ليس بالأمر المستغرب فقد أشارت إليها الدراسات السابقة.

 إن العلاقة بين  ثقافة المجتمع والتعليم، والتساؤل عما إذا كان ينبغي للمجتمع  قيادة التعليم أو أن التعليم هو الذي ينبغي أن يقود  المجتمع نحو التغيير، هما علاقة وتساؤل يندرجان تحت بند معضلة البيضة والدجاجة. ولذلك يلزم أحيانًا اتخاذ القرارات من أعلى لأسفل لكي تتحقق الغايات بما فيه صالح الطلاب وتعليمهم، وتؤدي إلى دوام أمن ورخاء الأجيال القادمة.


إضغط هنا لقراءة هذا المقال باللغة الانجليزية.

 
Themes
Education Policy and Reform, Teachers, Primary Education, Secondary Education, Life-long Learning, Curriculum Design and Ecosystem

Join the Discussion

0 comments
X